أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

124

العقد الفريد

لبد أبيض ، فوقّع في ثمانمائة قصة ، فو اللَّه لقد أصاب فما أخطأ ، وأسرع فما أبطأ ؛ ثم قال لي : يا فضل ، أتراني لا أحسن التدبير والسياسة ، ولكني وجدت شمّ الآس ، وشرب الكاس ، واستلقاء من غير نعاس ، أشهى إليّ من ذلك ! أبو عيسى وأبو نواس قال ابن قتيبة : خرج أبو عيسى جبريل بن أبي عيسى إلى متنزه له بالقفص « 1 » ، ومعه الحسن بن هانئ ، في آخر شعبان : فلما كان اليوم الذي أوفى به الشهر ثلاثين يوما ، قيل له : إن هذا يوم شك ، وبعض أهل العلم يصومه . فقال : لا عليك ، ليس الشك حجة على اليقين ، حدثنا أبو جعفر عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته . ثم قال لابن أبي عيسى : لو شئت لم نبرح من القفص * نشربها حمراء كالحصّ « 2 » نسرق هذا اليوم من شهرنا * واللَّه قد يعفو عن اللّصّ ! أبو نواس في مجلس شراب وذكروا أن أبا عيسى خرج إلى القفص متنزها ومعه الحسن بن هانئ ، فحمله وخلع عليه ، فأقام فيها أسبوعا ، ثم قال له : بحياتي صف مجلسنا والأيام كلها . فقال في ذلك : يا طيبنا بقصور القفص مشرفة * بها الدّساكر والأنهار تطّرد لمّا أخذنا بها الصّهباء صافية * كأنّها النار وسط الكأس تتقد جاءتك من بيت خمّار بطينتها * صفراء مثل شعاع الشمس ترتعد وقام كالبدر مشدودا قراطقه * ظبي يكاد من التّهييف ينعقد « 3 » فصبّها من فم الإبريق ، فانبعثت * مثل اللسان جرى واستمسك الجسد

--> ( 1 ) القفص : قرية بين بغداد وعكبراء ، تنسب إليها الخمور الجيدة والخانات الكثيرة . ( 2 ) الحص : الورس أو الزعفران . ( 3 ) قراطق : جمع قرطق : القباء .